لا يُعد الوصول إلى المنافذ البحرية بالنسبة إلى الدول الحبيسة مجرد مسألة تجارية عادية، بل يمثل ضرورة وجودية تحدد قدرتها على البقاء الاقتصادي، واستقلال قرارها السيادي، والحفاظ على مكانتها الاستراتيجية. وحين تفرض سلطة حاكمة ذات طابع عسكري شديد، وتفتقر إلى رؤية اقتصادية واضحة، سيطرتها على الممر الجغرافي الذي تعتمد عليه دولة أخرى، تتجاوز التداعيات حدود الخلافات الثنائية المعتادة، لتتحول البنية التحتية إلى أحد المحركات الرئيسية للصراع. ولا تجسد العلاقات المتوترة بين إثيوبيا وإريتريا هذه المعضلة الجيوسياسية في منطقة القرن الإفريقي بقدر ما تجسدها.
 

وفي تحليل نشره موقع «هورن ريفيو»، ترى الباحثة ماكدا جيرما أن سعي إثيوبيا إلى تأمين منفذ بحري ظل لعقود يُقرأ من جانب المراقبين الدوليين باعتباره مسألة تجارية بحتة، ترتبط بالميزان التجاري ورسوم الشحن وتحسين الكفاءة الاقتصادية. غير أن هذا التصور أصبح متجاوزًا على نحو خطير، مع تحول البحر الأحمر سريعًا إلى أحد أكثر الممرات البحرية اضطرابًا وعسكرة في العالم. وبالنسبة إلى إثيوبيا، التي يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة، لم يعد الوصول الدائم والموثوق إلى البحر مجرد طموح اقتصادي، بل أصبح ضرورة وجودية تتصل بالأمن القومي وبقاء الدولة.
 

وتبدو هذه الرؤية منطقية عند النظر إلى المعطيات بموضوعية، بعيدًا عن محاولات اختزال الخطر الوشيك في مجرد طموح توسعي. إذ يتعين إعادة تقييم الوقائع الميدانية عند تحليل المعضلة التي تواجه منطقة القرن الإفريقي. فإثيوبيا، التي لا تبعد سوى 60 كيلومترًا عن البحر الأحمر، تُعد أكبر دولة حبيسة من حيث عدد السكان في العالم، وتشكل فئة الشباب النسبة الأكبر من سكانها، مع تزايد حاجتهم إلى فرص العمل. ووفقًا لأحدث تقارير صندوق النقد الدولي، تستضيف البلاد أيضًا أسرع الاقتصادات نموًا في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

 

ولا تمثل هذه الأرقام مجرد إحصاءات تُساق لأغراض سياسية، بل تكشف عن نقطة ضعف استراتيجية عميقة؛ إذ تعتمد كل شحنة من الأدوية والوقود والتكنولوجيا تدخل البلاد، وكل سلعة تصدرها لدعم اقتصادها، اعتمادًا كاملًا على الظروف السياسية والاستقرار في الدول الساحلية المجاورة.


وتعتمد إثيوبيا حاليًا على جيبوتي في تمرير نحو 95% من تجارتها، مقابل سداد رسوم سنوية للموانئ تتراوح بين 1.5 و2 مليار دولار. ويشكل هذا الاعتماد على منفذ واحد اختناقًا اقتصاديًا حقيقيًا، إذ لا تستطيع أي دولة ذات سيادة أن تؤسس مستقبلها بأمان على ممر وحيد يظل عرضة للتأثيرات الخارجية.

 

وبالنسبة إلى دول مثل إثيوبيا، تزيد الأوضاع الأمنية شديدة التقلب في محيطها الإقليمي من حدة هذه المخاطر، فضلًا عن التحديات المرتبطة بتزايد عدد القواعد العسكرية في المنطقة. وإذا أدت الاضطرابات السياسية أو التدخلات الأجنبية المعادية إلى تعطيل الموانئ الجيبوتية، فقد ينهار الاقتصاد الإثيوبي، بما يطلق أزمة إنسانية داخلية غير مسبوقة.


وهذا ما يجعل المخاوف الإثيوبية، وفقًا للكاتبة، مشروعة بوضوح، ويغذي إصرار أديس أبابا على معالجة ما تعتبره تهديدًا وجوديًا بكل الوسائل المتاحة. فالدولة، شأنها شأن الإنسان الذي يصارع الغرق، تسعى بصورة غريزية إلى تجربة كل السبل الممكنة للبقاء. ولا يمكن حبس دولة يبلغ عدد سكانها 130 مليون نسمة داخل قفص جغرافي، لتظل رهينة أنظمة ساحلية استبدادية شديدة التسلح ومتقلبة الأوضاع.

 

ولا يمكن تحقيق الاستقرار في القرن الإفريقي إذا ظل أكبر محرك سكاني واقتصادي في المنطقة يعيش حالة دائمة من القلق والاختناق المفروض عليه. ومن ثم، لا يمثل تأمين منفذ تجاري وبحري دائم وموثوق إلى البحر الأحمر طموحًا إمبراطوريًا أو رفاهية، بل بات، من وجهة النظر الإثيوبية، حقًا أساسيًا في التنفس، وسبيلًا لتحقيق السلام والأمن في منطقة القرن الإفريقي بأكملها.

 


 التطويق والإقصاء.. الضرورات الأمنية الإثيوبية


تفاقمت المخاطر التي تواجه إثيوبيا بصورة حادة مع تصاعد عسكرة البحر الأحمر. فالممر الذي كان يُنظر إليه باعتباره طريقًا مفتوحًا للتجارة العالمية تحول إلى ساحة لتنافس جيوسياسي معقد، تتداخل فيها تحالفات الدول والجهات الفاعلة من غير الدول، سواء من داخل المنطقة أو خارجها. وأصبحت القوى العالمية والإقليمية تنظر إلى هذا الممر الحيوي باعتباره أولوية للأمن القومي، وليس مجرد طريق للملاحة التجارية.


وانطلاقًا من ضرورة حماية نقاط الاختناق البحرية، مثل مضيق باب المندب، من التهديدات غير التقليدية والقرصنة والصراعات الإقليمية، وسعت القوى الدولية وجودها العسكري على امتداد السواحل، من خلال شبكة كثيفة من القواعد العسكرية. وأصبحت جيبوتي المركز الرئيسي لهذا الانتشار العسكري، إذ تستضيف منشآت بحرية متداخلة للولايات المتحدة، أبرزها قاعدة كامب ليمونييه، والصين، إلى جانب وجود عسكري فرنسي وياباني.

 

وفي الوقت نفسه، سعت روسيا إلى الحصول على موطئ قدم في المنطقة، بينما تتنافس أطراف إقليمية، مثل السعودية والإمارات وتركيا وإسرائيل، على تعزيز نفوذها عبر الترتيبات اللوجستية للموانئ والاتفاقيات الأمنية في منطقة القرن الإفريقي الأوسع.


ورغم أن هذه القوات الأجنبية توفر حماية مؤقتة لحركة الملاحة الدولية، فإن تكدس وجودها العسكري حول البحر الأحمر حوله في نهاية المطاف إلى ساحة معقدة للتنافس الجيوسياسي، تتداخل فيها المصالح المتعارضة ومخاطر الحروب بالوكالة، الأمر الذي يضعف فرص بناء منظومة أمن إقليمي مستقلة ومستدامة، ويضاعف من مواطن الضعف الاستراتيجية التي تواجهها إثيوبيا.


وإذا لم تكن هذه التهديدات كافية، فإن إثيوبيا تشعر بالقلق إزاء تطور حديث يتمثل في نشوء شبكة من التحالفات السياسية والأمنية، تقول الكاتبة إنها تستهدف عزل البلاد عن محيطها الجغرافي المباشر. وترى أن الإعلان المشترك الصادر في العلمين، والذي يجمع مصر وإريتريا والصومال، لا يمثل اتفاقًا دبلوماسيًا اعتياديًا، بل استراتيجية متعمدة للتطويق.

 

فمن خلال تكريس مبدأ اقتصار إدارة البحر الأحمر على الدول الساحلية، تسعى أطراف إقليمية تناصب إثيوبيا العداء، بحسب التحليل، إلى حرمانها بصورة دائمة من المشاركة في صنع القرارات المتعلقة بالمنطقة.


وتعتبر الكاتبة أن هذا التطور يثبت أن الخطر الذي تستشعره إثيوبيا يتجاوز مجرد التصورات، وقد يدفعها إلى دراسة جميع الخيارات المتاحة لكسر هذا الاختناق قبل فوات الأوان. وترى أن طبيعة الخطوات التي ينبغي لأديس أبابا اتخاذها ستتحدد وفقًا لحجم التهديدات ومستواها، معتبرة أن الغاية قد تبرر الوسائل.


ويتفاقم هذا التطويق، وفقًا للتحليل، بفعل الخطاب المصري الذي يتسم بالتصعيد بشأن توسيع الوجود العسكري في المنطقة. وفي ظل التوترات المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي الكبير، تسعى القاهرة إلى توظيف وضع إثيوبيا كدولة حبيسة عبر بناء تحالفات عسكرية ولوجستية وثيقة مع إريتريا ودول أخرى مجاورة لإثيوبيا.


ومن المنظور الإثيوبي، يبدو المشهد واضحًا؛ إذ تسعى قوى عسكرية أجنبية معادية إلى إقامة قواعد بالقرب من حدود البلاد، بينما تتحكم في المنافذ البحرية التي تمد السكان الإثيوبيين باحتياجاتهم الأساسية. ولا يمثل ذلك، بحسب الكاتبة، تطورًا جديدًا، فقد استُبعدت إثيوبيا بصورة متكررة من التحالفات متعددة الجنسيات التي تشكلت لحماية خطوط الملاحة في البحر الأحمر من التهديدات غير التقليدية، مثل القرصنة والجماعات المسلحة.

 

وهكذا تجد أديس أبابا نفسها مضطرة إلى مراقبة المشهد من الهامش، بينما تتولى تحالفات تتعاطف مع خصومها تأمين شريانها الاقتصادي الرئيسي. وترى الكاتبة أن من السذاجة البالغة توقع استمرار إثيوبيا في موقف المتفرج، بينما تُحاك ترتيبات تنطوي على مخاطر تهدد حياة سكانها ومستقبل الدولة ذاتها.


وتؤكد هذه المعطيات، وفقًا للتحليل، الحاجة الوجودية لإثيوبيا إلى تأمين ممر بحري موثوق، يتيح لها إنشاء خدمات مينائية مستقرة والحفاظ على قدرة بحرية ذات سيادة. وتُعد هذه القدرة ضرورية لحماية المصالح الوطنية، وتأمين السفن التي ترفع العلم الإثيوبي، وضمان حقها في المرور البريء دون عوائق بموجب القانون الدولي.

 


 المنفذ البحري والسيادة.. بين التعاون الإقليمي والخيارات الاستراتيجية


تقول الكاتبة إن إثيوبيا أعربت باستمرار عن تفضيلها للتعاون، وطرحت مرارًا أطرًا تقوم على التكامل الاقتصادي المتبادل والازدهار المشترك والاعتماد المتبادل بين دول المنطقة. ومع ذلك، ينبغي للدول الساحلية، ولا سيما إريتريا، أن تدرك أن الاستناد إلى الاعتبارات القانونية الشكلية أو اتباع استراتيجيات تستهدف احتواء إثيوبيا إقليميًا لا يمكن أن يشكل حلولًا مستدامة لقضية تمس بصورة مباشرة سبل معيشة هذا العدد الكبير من السكان وأمنهم ومستقبلهم.


وتضيف أن توقع بقاء إثيوبيا في موقف سلبي، بينما تتعرض مصالح أمة بأكملها للخطر، أمر غير واقعي. ومن المرجح أن تواصل البلاد اتخاذ التدابير الاستراتيجية اللازمة لتأمين وصولها المشروع إلى البحر الأحمر وحماية مصالحها الوطنية الحيوية، بما يضمن صون سيادتها وأمنها ومستقبلها الاقتصادي برًا وبحرًا.


وفي الختام، ترى ماكدا جيرما أن على الدول المجاورة لإثيوبيا أن تتعامل مع مطلبها بالحصول على منفذ بحري باعتباره مسألة استراتيجية واقتصادية وأمنية مشروعة، تستحق دراسة جادة وبناءة وسلمية. وتطرح الكاتبة تساؤلًا بشأن أسباب اعتبار سعي إثيوبيا إلى إقامة قاعدة عسكرية على ساحل البحر الأحمر أمرًا غير مقبول، في الوقت الذي تحتفظ فيه دول من خارج المنطقة بقواعد عسكرية وتتمتع بوصول استراتيجي إلى الساحل ذاته.


وتتساءل أيضًا عما إذا كان من العدل حرمان دولة مجاورة، لها مصالح أمنية واقتصادية حيوية في المنطقة، من فرصة التفاوض بشأن هذا الوصول، بينما يُسمح للقوى الخارجية بإقامة وجود عسكري على الساحل. وترى أن القضية ينبغي ألا تخضع لازدواجية المعايير أو حسابات التنافس الجيوسياسي، بل يجب أن تُعالج من خلال الحوار البناء والاحترام المتبادل والترتيبات التفاوضية التي تصون سيادة الدول الساحلية، مع مراعاة المصالح الإثيوبية المشروعة.


وتدعو الكاتبة الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيجاد) والاتحاد الإفريقي إلى الاضطلاع بمسؤولياتهما القيادية بصورة عاجلة، عبر تيسير حوار إقليمي شامل ووضع إطار عملي يوازن بين تطلعات إثيوبيا المشروعة والمصالح المشروعة للدول المجاورة. كما ينبغي ثني الأطراف الخارجية من خارج منطقة القرن الإفريقي عن السعي إلى فرض أجنداتها الخاصة عبر تأجيج العداء والانقسام، بدلًا من دعم التعاون والحوار والاستقرار الإقليمي.


وتطالب المجتمع الدولي، بما يشمل الأمم المتحدة والشركاء الدوليين المؤثرين، بتكثيف جهود الانخراط الدبلوماسي ودعم التوصل إلى تسوية تفاوضية قبل تدهور الأوضاع إلى مواجهة خطيرة، قد تمتد تداعياتها إلى منطقة القرن الإفريقي وما وراءها.


وتختتم الكاتبة بالتأكيد على أن الوقت المناسب للتحرك هو الآن، إذ يمكن للقادة الإقليميين والأطراف الدولية المعنية، من خلال الدبلوماسية الاستباقية والتفاهم المتبادل والشجاعة السياسية، تحويل مصدر محتمل للصراع إلى فرصة للتعاون والازدهار المشترك والسلام المستدام. أما الإخفاق في التحرك الحاسم اليوم، فينذر بانزلاق التوترات نحو صراع مدمر، لن تستطيع المنطقة أو العالم الأوسع تحمل تبعاته.

 

https://hornreview.org/2026/10/31/the-red-sea-chokehold-why-maritime-access-is-an-existential-question-for-ethiopia/